السيد المرعشي

114

شرح إحقاق الحق

أما في الأمصار ، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم عددا من الصحابة للقضاء في منازعات الناس ، ومن أشهر هؤلاء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، إذ بعثه إلى اليمن قاضيا ، ثم صرفه حين حجة الوداع ، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم أن : القضاء كما يقضي علي ، أو أقضى أمتي علي ، أو أقضاكم علي . ومنهم الفاضل المعاصر أحمد حسن الباقوري المصري في " علي إمام الأئمة " ( ص 0 3 ط دار مصر للطباعة ) قال : لقد كان يروي العامة والخاصة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقضاكم علي . ومنهم العلامة الشيخ نور الدين علي بن محمد بن سلطان المشتهر بالملا علي القاري المتوفى سنة 1014 في " الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة " ( ص 61 ط دار الكتب العلمية - بيروت ) قال : حديث : أقضاكم علي . ومنهم الفاضل المعاصر أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول في " موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف " ( ج 2 ص 101 ط عالم التراث للطباعة والنشر - بيروت ) قال : أقضى أمتي علي بن أبي طالب ( 1 ) . فتح 8 / 167

--> ( 1 ) قال الدكتور محمد عبد الرحيم محمد في " المدخل إلى فقه الإمام علي رضي الله عنه " ( ص 19 ط دار الحديث - القاهرة ) : لقد أجمع المؤرخون والباحثون على أن عليا كان من شيوخ التشريع وأعلامه في عصر الصحابة ، ولذا فقد وضعه أصحاب الطبقات في مقدمة فقهاء الصحابة . ومما يدل على أن عليا كان ذا قدم راسخة في الاجتهاد والفتيا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله واحدا من القضاة في عهده إذ بعثه إلى اليمن قاضيا ومعلما ودعا له ، فقد صح عن علي أنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأنا شاب ، فقلت : يا رسول الله إنك تبعثني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء ؟ فقال : انطلق فإن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك . كما كان ينصحه أيضا ، فقد صح عنه أنه قال له : يا علي إذا جلس إليك الخصمان لا تقضي بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول ، فإنك إن فعلت ذلك تبدي لك وجه القضاء . هذا ولقد التزم علي بنصيحة النبي صلى الله عليه وسلم فكان القاضي المجتهد الذي لا يشق غباره ، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمح له بأن يقضي في حضوره ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع جماعة من أصحابه فجاءه خصمان فقال أحدهما : يا رسول الله إن لي حمارا وإن لهذا بقرة ، وإن بقرته قتلت حماري ، فبدأ رجل من الحاضرين وقال : لا ضمان على البهائم . فقال صلى الله عليه وسلم : اقض بينهما يا علي ، فحقق علي الواقعة فقال لهما : أكانا مرسلين ، أم مشدودين ، أم أحدهما مشدودا والآخر مرسلا ؟ فقال : كان الحمار مشدودا والبقرة مرسلة وصاحبها معها . فقال علي : صاحب البقرة ضامن الحمار ، فأقر الرسول صلى الله عليه وسلم حكمه وأمضى قضاءه . وكفى دليلا على أهليته للاجتهاد والفتيا شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله : أقضاكم علي وقوله : أقضى أمتي علي . أضف إلى ذلك شهادة الصحابة أنفسهم له بالعلم والفقه ، فهو عند السيدة عائشة أعلم الناس بالسنة أو أعلم من بقي بالسنة ، على حين جعله ابن مسعود أعلم أهل المدينة بالفرائض ، بينما وصفه ابن عباس بقوله : والله لقد أعطي علي تسعة أعشار العلم وإنه لأعلمهم بالعشر الباقي . ولعمر كلمات مشهورة طالما رددها كثيرا ، وهي تعرب عن غاية احتياجه في العلم إلى علي ، منها قوله : لولا علي لهلك عمر ، وقوله : لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن ، وقوله : أعوذ بالله من معضلة ولا أبو حسن لها ، وغير ذلك من هذه الكلمات المشهورة في هذا الصدد . ومن ثم فقد كان عمر وغيره من الصحابة يستشيرونه ويأخذون برأيه في كثير من المسائل ذات الشأن ، أو التي تشكل عليهم ، وذلك كما هو معروف عنه من طول باعه وغزارة علمه في الفقه والحديث وبصره بروح التشريع ومقاصده ، إذ روى الحسن أن عمر جمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليستشيرهم وفيهم علي ، فقال له عمر : قل فأنت أعلمهم وأفضلهم . كذلك روي عن ابن عباس أنه قال : خطبنا عمر فقال : علي أقضانا وأبي أقرؤنا وإنا لنترك أشياء من قول أبي . ولا عجب في ذلك ولا غرابة ، فلقد كان علي أكثر الصحابة جميعا علما وذلك بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ روى أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة : أوما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما ( إسلاما ) وأكثرهم علما وأعظمهم حلما . ولله دره مسروق ، إذ فطن إلى هذه الحقيقة فقال : انتهى العلم إلى ثلاثة : عالم بالمدينة ، وعالم بالشام ، وعالم بالعراق ، فعالم المدينة علي بن أبي طالب ، وعالم العراق عبد الله بن مسعود ، وعالم الشام أبو الدرداء ، فإذا التقوا سأل عالم الشام وعالم العراق عالم المدينة ولم يسألهما . ثم جاء عبد الملك بن أبي سليمان وزاد هذا المعنى وضوحا فقال : قلت لعطاء : أكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أعلم من علي ؟ قال : لا ، والله ما أعلمه . نتيجة لهذا وذاك كان علي واحدا ممن تصدى للفتيا بعد النبي صلى الله عليه وسلم بل هو أحد السبعة المكثرين من الفتيا كما قال ابن القيم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولعلي رضي الله عنه قضايا ومسائل مشهورة ذكرت في مظانها من كتب الفقه والحديث والسير ، أقر منها النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع منها في الزمن النبوي ، وكم من قضية أفتى فيها الصحابة وخالفهم فيها علي ، فرجعوا على الفور إلى رأيه إنصافا ووقوفا مع الحق ، فضلا عن كثرة القضايا التي اجتهد فيها ، فانفرد برأيه تارة وشاركه في بعضها صحابة آخرون تارة ثانية . نعم لقد كان لعلي بن أبي طالب أثر كبير في الفقه الإسلامي من حيث : نموه وتكوينه ومنهجه وأسسه وما إلى ذلك من جوانب مختلفة تتصل بالتشريع الإسلامي . ومن ثم فإننا لا نبالغ إذا قلنا بأن لعلي منزلة كبيرة عند الفقهاء جميعا سواء السني منهم أو الشيعي ، وإن الناظر في آراء علي الفقهية التي اعتنقها أئمة المذاهب المختلفة لدليل كاف على صدق هذا القول . ولعل كثرة فتاوى علي وأحكامه ترجع إلى أنه مكث نحوا من ثلاثين سنة بعد أن قبض الله تعالى رسوله إليه يفتي ويرشد ويوجه ، وقد كان غواصا طالبا للحقائق ، وقد أقام في الكوفة نحو خمس سنوات ولا بد أنه ترك فيها فتاوى وأقضية ، وكان فيها المنفرد بالتوجيه والإرشاد ، وإنه قد عرف بغزارة في العلم وعمق ، وانصراف إلى الإفتاء في مدة الخلفاء قبله ، والمشاركة في كل الأمور العميقة التي تحتاج إلى فحص وتقليب من كل وجوهها مع تمحيص وقوة استنباط . إذن على ضوء هذا فإن ما ذهب إليه ابن القيم تعوزه الدقة العلمية ، إذ ادعى أن العلم انحصر في أربعة من الصحابة هم ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد فقال : والدين والفقه انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود ، وأصحاب زيد بن ثابت وأصحاب عبد الله به عمر وأصحاب عبد الله بن عباس فعلم الناس عامة إلى هؤلاء الأربعة ، فأما أهل المدينة فعلمهم عن زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر ، وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس ، وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود . هذا هو نص ما قاله ابن القيم ، ولكن ما نطقت به كتب السنة وشروح الحديث والفقه وغيرها من عيون التراث الإسلامي لتدل على خلاف ذلك ، إذ جمعت هذه الكتب بين دفتيها تراثا علميا لغير هؤلاء الأربعة الذين ذكرهم ابن القيم كعلي عمر وأبي وعائشة وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم من الصحابة الذين كان لهم باع طويل في العلم والفتيا في العهد النبوي وبعده . وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال : إذا كان علي كثير العلم والفتيا فأين فتاواه وأحكامه إذن ؟ في الحقيقة أن فقه علي وفتاواه وأقضيته لم ترو في كتب السنة بالقدر الذي يتفق مع مدة خلافته ولا مع المدة التي كان منصرفا فيها إلى الدرس والإفتاء في مدة الراشدين قبله ، وقد كانت حياته كلها للفقه وعلم الدين ، وكان أكثر الصحابة اتصالا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد رافق الرسول وهو صب ى قبل أن يبعث عليه السلام ، واستمر معه إلى أن قبض الله تعالى رسوله إليه ، ولذا كان يجب أن يذكر له في كتب السنة أضعاف ما هو مذكور فيها . هذا ولقد عزا ابن القيم قلة مرويات علي إلى تزيد بعض الشيعة عليه ، فهاهو ذا يقول : وأما علي بن أبي طالب عليه السلام فانتشرت أحكامه وفتاويه ، ولكن قاتل الله الشيعة فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه ، ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته وأصحاب عبد الله بن مسعود كعبيدة السلماني وشريح وأبي وائل ونحوهم . بيد أن الإمام أبا زهرة أوضح أن قلة المروي عن علي ترجع إلى محاربة الحكم الأموي لكل آثاره العلمية ، وفي هذا يقول ما نصه : وإذا كان لنا أن نعرف السبب الذي من أجله اختفى عن جمهور المسلمين بعض مرويات علي وفقهه ، فإنا نقول : إنه لا بد أن يكون الحكم الأموي أثر في اختفاء كثير من آثار علي في القضاء والإفتاء لأنه ليس من المعقول أن يلعنون عليا فوق المنابر ، وأن يتركوا العلماء يتحدثون بعلمه ، وينقلون فتاويه وأقواله للناس وخصوصا ما كان يتصل منها بأساس الحكم الإسلامي . والعراق الذي عاش فيه علي رضي الله عنه وفيه انبثق علمه كان يحكمه في صدر الدولة الأموية ووسطها حكام غلاظ شداد لا يمكن أن يتركوا آراء علي تسري في وسط الجماهير الإسلامية ، وهم الذين يخلقون الريب والشكوك حوله ، حتى إنهم يتخذون من تكنية النبي صلى الله عليه وسلم له بأبي تراب ذريعة لتنقيصه ، وهو رضي الله عنه كان يطرب لهذه الكنية ويستريح لسماعها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قالها في محبة كمحبة الوالد لولده . وفي نظري إن عدم انتشار أحكام علي وفتاويه يمكن أن نرجعها إلى السببين المذكورين معا ، فالسبب الأول وهو تزيد بعض الشيعة عليه نستطيع أن نفهمه من قول علي نفسه رضي الله عنه : إن ههنا علما لو أصبت له حملته . بيد أن هذا الترديد من غلاة الشيعة ، لا يمكن أن يكون من رجال البيت الكريم الذي اشتهر رجاله بالصدق في القول والعمل والإخلاص في كل شؤون دينهم ، إذ لا يتصور كما يقول أبو زهرة أن يكون التزيد من الحسين أو علي زين العابدين أو الباقر أو الصادق أو من غيرهم من أئمة الهدى الذين يقتدى بهم في علم الدين والتقى والمحافظة على تراث الإسلام حتى يصل إلى الناس نقيا غير مشوب بأي شائبة . هذا عن السبب الأول ، أما السبب الثاني وهو محاربة الحكم الأموي لعلي فهذا أيضا ليس ببعيد والتاريخ خير شاهد على ذلك . ومن أبرز الأمثلة التي توضح لنا ذلك أن الحسن البصري رضي الله عنه كان يحدث بالأحاديث النبوية ، فإذا حدث عن علي بن أبي طالب لم يذكره خشية من بطش الحجاج ، وفي هذا يقول يونس بن عبيد : سألت الحسن فقلت : يا أبا سعيد ، إنك تقول قال رسول الله وإنك لم تدركه ؟ قال : با ابن أخي ، لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك ولولا منزلتك مني ما أخبرتك ، إني في زمان كما ترى وكان في عمل الحجاج كل شئ سمعتني أقول قال رسول الله فهو عن علي بن أبي طالب غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا . وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكننا في رأيي أن نخرج موسوعة فقهية ضخمة للإمام علي كرم الله وجهه ، وذلك من خلال البحث والتنقيب في كتب التراث المختلفة وعيون المصادر الإسلامية الأولى ، وبخاصة كتب الفقه والآثار والسنن واختلاف الفقهاء وشروح الحديث وغيرها . أضف إلى ذلك ، أن البيت العلوي فيه علم الرواية كاملة عن علي رضي الله عنه حيث رووا عنه ما رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو قريبا من الكمال ، ذلك لأن عليا استشهد وترك وراءه من ذريته أبرارا أطهارا كانوا أئمة في علم الإسلام ، وكانوا ممن يقتدى بهم ، ترك ولديه من فاطمة الحسن والحسين ، وترك رواد الفكر محمد بن الحنفية ، فأودعهم رضي الله عنه ذلك العلم ، وقام أولئك الأبناء بالمحافظة على تراث أبيهم الفكري وهو إمام الهدى فحفظوه من الضياع ، وقد انتقل معهم إلى المدينة لما انتقلوا إليها بعد استشهاده رضي الله عنه . هذا ، وبعد أن وقفنا فيما سبق على أهلية علي للاجتهاد وأوضحنا إنه كان واحدا من المبرزين في القضاء والفتوى ، فلعله من المفيد هنا أن أسوق في مسألة تعد من شهيرات فتاواه وهي مسألة الزبية ، وذلك حتى يتضح لك مدى إدراكه لروح التشريع ومقاصده . تعد مسألة الزبية من المسائل التي أقر فيها النبي صلى الله عليه وسلم عليا وأصلها أنه قوما من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فاجتمع الناس على رأسها فهوى فيها واحد فجذب ثانيا ، ثم جذب الثاني ثالثا فجذب الثالث رابعا فقتلهم الأسد جميعا ، فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين علي وكان قاضيا على اليمن ، فقضى للأول بربع الدية وللثاني بثلثها وللثالث بنصفها وللرابع بكاملها ، وقال : اجعل الدية على من حضر رأس البئر فسخط بعضهم من ذلك الحكم ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجازه .